
بقلم: أثير الأحمدي
في زمنٍ تُقاس فيه مكانة المعلومة بسرعة تدفقها وتتزاحم فيه الإشعارات على شاشات الهواتف الذكية، أرى أن الاعتماد على النص المكتوب وحده أصبح غير كافٍ لمواكبة التحول الرقمي، لم يعد المتلقي يكتفي بالقراءة المتأنية، بل أصبح باحثًا عن تجربة حسية وبصرية تشاركية تجعله جزءًا من الحدث وقت وقوعه، مما يطرح تساؤلاً حول كيفية إعادة هندسة الخبر ليتناسب مع متطلبات الإعلام الجديد.
وفي هذا السياق، تؤكد الأبحاث التي أجراها معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد ما نلمسه في واقعنا الصحفي، من أن المتلقين يميلون بشكل متزايد إلى استهلاك الأخبار عبر الوسائط المتعددة والملخصات المرئية لتوفير الوقت. وهو تحول دفع الجمهور نحو تقنيات المسح البصري السريع، مما جعل النصوص الطويلة تواجه تحديات في جذب الانتباه مقارنة بالمقاطع المرئية والإنفوجرافيك التفاعلي الذي يختصر افكارًا معقدة في ثوانٍ معدودة.
ولعل أبرز ما أفرزه هذا التحول، برأيي، هو تغير مسار الرسالة الإعلامية ذاتها، فقد أشار الباحث أليك نيومان في دراساته حول التحرير الصحفي إلى أن الخبر التقليدي كان يسير في اتجاه واحد من المحرر إلى القارئ، بينما أصبح في الإعلام التفاعلي حوارًا متبادلًا يتيح للمتلقي التعليق والمشاركة الفورية، وهو ما حول الخبر فعليًا من مادة صامتة إلى تجربة حية تدمج بين النص والصورة والخريطة التفاعلية.
ويمتد هذا التحول ليطال مسألة المصداقية أيضًا، فمن وجهة نظري، وفي ظل الانتشار الواسع للأخبار الزائفة عبر المنصات الرقمية، لم تعد الكلمات وحدها تملك السلطة التوثيقية المطلقة، إذ أصبح الجمهور يبحث عن التجربة البصرية الحية والمبنية على لغة الأرقام، ويمنح دمج البث المباشر والبيانات المصورة المتلقي أدلة ملموسة تعزز من مصداقية الخبر.
غير أن هذا كله لا يعني بالضرورة اندثار النص الصحفي، بل أعتقد أن وظيفته تغيرت ليصبح عنصرًا مكملًا ضمن منظومة الوسائط المتعددة، فالنص يفسر الصورة ويعلق على الفيديو ويوجه القارئ داخل القصة، وأصبحت المؤسسات الإعلامية مطالبة اليوم بدمج هذه العناصر لضمان الوصول إلى جمهور يبحث عن التجربة المتكاملة وفقًا لمعايير النشر الرقمي الحديث.