23 Apr
23Apr

بقلم: ميان الجهني

في عصرٍ تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي وتتزاحم فيه الشاشات المضيئة بين أيدي أطفالنا، تحولت الألعاب الإلكترونية الحديثة من مجرد وسيلة للترفيه العابر إلى بيئة افتراضية متكاملة تستحوذ على حواس المتلقي الصغير وتأسره لساعات طويلة، هذا الاندماج العميق يطرح تساؤلات جوهرية حول التأثير الفعلي لهذه العوالم الرقمية المليئة بالمؤثرات البصرية والصوتية على البناء النفسي والاجتماعي للجيل الجديد. 

وفي هذا السياق وكما أرى من خلال مراقبة هذا المشهد المتنامي، فإن الألعاب الحديثة لم تعد تعتمد على التسلية البسيطة، بل صُممت بآليات وتقنيات دقيقة لضمان أقصى درجات الانخراط وجذب الانتباه المستمر، فالطفل اليوم يجد نفسه أمام تحديات بصرية وذهنية متلاحقة تخلق لديه استجابات سريعة، إلا أن هذا التركيز المكثف على الشاشة يرافقه، من وجهة نظري، انسحاب تدريجي وصامت من المحيط الأسري المباشر، مما يضعف من قيمة المشاركة الوجدانية في العالم الحقيقي. 

ولعل أبرز ما أفرزه هذا التعلق بالشاشات هو تغير طبيعة التفاعل الاجتماعي لدى الطفل، فقد تحولت مساحة اللعب من تفاعل بشري حي تملؤه المشاعر وتعابير الوجه، إلى تواصل افتراضي عبر منصات الألعاب الجماعية، ورغم أن البعض قد يفسر ذلك بأنه شكل جديد من أشكال التواصل الرقمي، إلا أنني أعتقد أن هذا النمط يفتقر إلى العمق الإنساني، مما قد يؤدي إلى هشاشة في التعامل مع المواقف الاجتماعية الواقعية وصعوبة في التعبير المباشر عن الانفعالات وقراءة لغة الجسد.

ويمتد هذا التأثير ليطال البنية السلوكية والانفعالية أيضًا، ففي ظل الإيقاع السريع للألعاب وما تتطلبه من يقظة مستمرة وتوتر دائم لتحقيق الفوز، تتشكل لدى الطفل حالة من التحفز العصبي. 

ومما يبدو لي بوضوح، أن هذا التحفز ينعكس غالبًا على شكل ردود أفعال حادة أو عصبية غير مبررة عند محاولة فصله عن هذا العالم الافتراضي، وكأن الشاشة أصبحت جزءًا من توازنه النفسي الذي يختل بمجرد الابتعاد عنها. 

غير أن هذا كله لا يعني التوجه نحو عزل الأطفال عن التكنولوجيا أو مصادرة حقهم في اللعب الرقمي، بل يتطلب الأمر، كما أتصور، فهمًا أعمق لطبيعة هذا التأثير لضبط إيقاع الاستخدام، فالألعاب قادرة على تنمية مهارات التفكير وسرعة البديهة متى ما وُضعت في إطار متوازن، وأصبحت الأسرة والمؤسسات التربوية مطالبة اليوم بإعادة هندسة وقت الطفل، لضمان عدم طغيان العالم الافتراضي المتسارع على حساب النمو الإنساني المتكامل.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
تم عمل هذا الموقع بواسطة