
بقلم: ريمان الأحمدي
دائمًا ما كانت الشوارع في مدننا مصممة بالدرجة الأولى للسيارات ، لكن تجربة “جادة قباء” في المدينة المنورة جاءت لتقدم مفهومًا مختلفًا يُعرف بـ ” أنسنة المدن”، وتعني هذه الفكرة ببساطة جعل الشارع مكانًا مريحًا للبشر، وليس مجرد طريق للمركبات ، وهذا التحول لا يمكن اعتباره مجرد تطوير عادي، بل نموذج واضح يعكس تحولًا حقيقيًا في طريقة التفكير في تصميم المدن.
وهذا ما نلمسه اليوم في الجادة التي تحولت من طريق مزدحم إلى ممشى ثقافي واجتماعي يجمع الناس، عند تأمل تفاصيل هذا المشروع، فإن هذا التحول جاء نتيجة عدة عوامل، أبرزها أن الأولوية أصبحت للمشاة، وهذا التغيير لم يقلل فقط من زحام السيارات، بل منح الناس فرصة للاستمتاع بجمال المنطقة والمشي في بيئة آمنة وهادئة.
كما أن الجانب البصري كان له دور مهم، حيث جرى توحيد واجهات المباني بما يعكس تراث المدينة القديم، مما جعل المشي من المسجد النبوي إلى مسجد قباء تجربة ممتعة بصريًا وتاريخيًا، مما منح المكان هوية واضحة وجاذبية مختلفة عن أي شارع تقليدي، بعيدًا عن الفوضى التي كانت موجودة سابقًا.
ولا يقتصر أثر هذا التطوير على تحسين جودة الحياة فحسب، بل يمتد أيضًا إلى الجانب الاقتصادي، فكثرة المشاة في الجادة شجعت على افتتاح متاجر ومطاعم ومرافق خدمية جديدة وهو ما يؤكد أن “أنسنة الشوارع” لا تعزز الجانب الإنساني فقط، بل تدعم أيضًا النشاط الاقتصادي المحلي.
كما يظهر نجاح هذه التجربة في الإقبال الكبير من الناس، إضافة إلى التفاعل الواسع معها في وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك يعكس بوضوح حاجة المجتمع لمثل هذه المساحات الإنسانية.
في ضوء هذه النتائج، تمثل جادة قباء نموذجًا واضحًا لما يمكن أن تكون عليه مدننا في المستقبل، فهي تجربة ناجحة تثبت أن الاهتمام بالإنسان في تصميم المدن يخلق بيئة أكثر حيوية وراحة.
كما أن تعميم هذه التجربة في مدن وأحياء أخرى أصبح خطوة مهمة لتحسين جودة الحياة، إنها تجربة تستحق أن نراها في مدن وأحياء أخرى في المملكة، لنتمكن من التنقل في شوارعنا براحة واستمتاع، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هويتنا وتاريخنا العريق.