المدينة المنورة - ميان الجهني
كشف تقرير المؤسسة الوطنية للمحو الأمية في المملكة المتحدة لعام 2024، الذي استند إلى أكثر من 76,000 استجابة من الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و18 عامًا، عن تراجع ملحوظ في معدلات الاستمتاع بالقراءة في وقت يتنافس فيه الهاتف مع الكتاب على وقت الشباب وانتباههم، ويتناول هذا التقرير واقع القراءة بين الشباب في ظل هذا التحول الكبير، وما إذا كانت قد فقدت مكانتها أم أنها أعادت تشكيل نفسها بما يتوافق مع طبيعة العصر.
التحول في نمط القراءة
يقول الكاتب والصحفي (دخيل الأحمدي): "أن القراءة ما زالت حاضرة بقوة لدى الشباب، ومشكلتنا ليست في العزوف عنها، بل في تغير شكلها، فالشاب اليوم يقرأ على هاتفه أكثر مما يقرأ من كتابه، وهذا يعني تحول في الأداة لا في العادة".
وفي السياق ذاته ترى (لمار العباسي) طالبة السنة الثالثة في إدارة الأعمال، أن القراءة لم تغب عن حياتها يومًا، مضيفةً أنها وإن كانت تقرأ عبر هاتفها أكثر من الكتب الورقية، إلا أنها تجد في المقالات والمحتوى الرقمي ما يغذي فضولها ويتناسب مع ضغط دراستها.
ويعكس هذا الواقع تحولًا في طبيعة القراءة ذاتها، إذ كانت في السابق فعلًا مقصودًا يرتبط بالكتاب والهدوء، أما اليوم فقد امتدت لتشمل كل نص يصادفه الشاب على شاشته، لكن هذا الانتشار أفقدها شيئًا من عمقها، لأن الدماغ في بيئة التصفح السريع يميل إلى المرور على المعلومة لا إلى استيعابها.
وفي مواجهة هذا التحدي، ظهرت بدائل باتت جزءًا من المشهد القرائي الجديد، كالكتب الصوتية والمنصات التي تقدم ملخصات للكتب، وهي أدوات تلبي حاجة الشباب للمعرفة بأسلوب يتوافق مع إيقاع حياتهم.
صعوبة في التركيز
رغم هذا الحضور، يواجه كثير من الشباب تحديًا حقيقيًا في الاستمرار بالقراءة لفترات طويلة، والسبب ليس غياب الرغبة بقدر ما هو غياب القدرة على الصمود أمام تدفق الإشعارات والمحتوى المتجدد.
فالانتقال المستمر بين التطبيقات أعاد تشكيل طريقة تعامل الدماغ مع النص، وجعل البقاء مع كتاب واحد لساعة كاملة أمرًا يحتاج إلى جهد واعٍ.
وتكشف دراسة أجرتها جامعة ويست فيرجينيا عام 2024 على طلاب الجامعة أن ثلثيهم يتحققون من وسائل التواصل الاجتماعي أثناء القراءة، فيما أقر أكثر من نصفهم بأن هذه العادة أثرت سلبًا على تركيزهم القرائي.
والمشكلة لا تكمن الانقطاع المتكرر فحسب، بل تمتد إلى أعمق من ذلك، إذ بات الدماغ يتعلم تدريجيًا أن يبحث عن التحفيز السريع بدلًا من الصبر على نص طويل.
أهمية القراءة العميقة
ثمة فارق حقيقي بين من يقرأ ومن يتصفح، فالكتاب يمنح صاحبه وقتًا مع الفكرة لا مجرد مرور عليها، وهذا ما يصنع الفارق في طريقة التفكير لا في كمية المعلومات.
وتبقى القراءة حاضرة بين الشباب، غير أنها باتت تحتاج إلى اختيار واعٍ لا إلى رثاء، فالمسألة ليست في استعادة الكتاب الورقي بالضرورة، بل في استعادة التركيز والقصد خلف كل قراءة، والشاب الذي يمنح نفسه فرصة القراءة الحقيقية وسط كل هذا الضجيج، يمنح عقله ما لا يجده في أي تمرير سريع على الشاشة.