عقارات المدينة التاريخية.. "كنوز في الظل" تنتظر بوصلة التطوير

المدينة المنورة -جنا أبو عنق

بينما تنفض أحياء "الدقاق" و"الجهة" غبار النسيان عبر مشاريع ترميم طموحة، لا تزال أحياء تاريخية أخرى في المدينة المنورة تصارع الاندثار بعيداً عن أعين السياحة الثقافية. 

"ترياد" تفتح ملف التراث العمراني، وتواجه المختصين بسؤال الهوية بين صرامة الحفاظ ومتطلبات الاستثمار.

خارج دائرة الضوء

لم تعد مشاريع الترميم في المدينة المنورة مجرد عمليات إنشائية، بل أصبحت استراتيجية اقتصادية وثقافية. ومع ذلك، يرى مراقبون أن المشهد الترافل الحالي يركز على "الواجهات السياحية" المعروفة، بينما تظل أحياء وأزقة كاملة (مثل بعض أجزاء حي قربان القديم أو مناطق محيطة بـ سيد الشهداء) خارج خطط التنفيذ العاجلة.

يؤكد الباحث في التاريخ العمراني، محمد الحربي، أن الإشكالية تكمن في "انتقائية المواقع"، قائلاً: "المدينة تخفي كنوزاً من الآبار والبيوت البازلتية التي عاشت فيها عائلات لقرون، والتعامل معها لا يجب أن يقتصر على ترميم الجدران، بل استعادة نمط الحياة الذي كانت تمثله ككتلة عمرانية واحدة لا أجزاء متفرقة".

جدل الهوية: ترميم أم تحديث؟

وسط هذا الحراك، يبرز انقسام في آراء المختصين حول "فلسفة الترميم" ففي الوقت الذي تدفع فيه رؤية 2030 نحو تحويل المواقع التراثية إلى نقاط جذب سياحي، يخشى البعض من فقدان "روح المكان".

من جانبه، يوضح المرشد السياحي فهد الأحمدي أن تجربة الزائر لا تعتمد على جمال الواجهة بقدر ما تعتمد على "أصالة التجربة". 

ويضيف: "ما يظهر اليوم هو 30% فقط من الإرث الحقيقي، وخلف المباني المرممة تقف بيوت بأسقف خشبية نادرة وتفاصيل معمارية فريدة تآكلت بفعل الزمن، وتنتظر من يزيح عنها الغبار قبل أن تتحول إلى أطلال لا يمكن إصلاحها".

الاستثمار الثقافي.. أرقام وتطلعات

تشير التقديرات إلى أن السياحة الثقافية أصبحت تستحوذ على حصة متنامية من اهتمام زوار المملكة. 

وترى الأكاديمية د. فاطمة الجابري أن الاستثمار في هذا القطاع يتطلب "أنسنة الأحياء" بدلاً من مجرد طلائها.

وتؤكد الجابري أن: "أنماط السياحة تغيرت؛ السائح اليوم يبحث عن (التجربة الأصيلة).

 تحويل الأحياء التاريخية إلى فضاءات ثقافية نابضة (فنادق تراثية، مقاهٍ شعبية، مراكز حرفية) سيعزز من مدة إقامة الزائر في المدينة، ويخلق فرص عمل محلية تتجاوز النمط التقليدي".

أين الدور التنفيذي؟

ورغم الجهود الملموسة من قبل "هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة"، إلا أن التحدي لا يزال قائماً في التوسع الجغرافي للمشاريع ليشمل الأطراف المنسية فالفجوة بين المواقع المرممة وتلك التي لا تزال "في الظل" تتطلب جدولاً زمنياً معلناً لضمان عدم اندثار ما تبقى من هوية المدينة العمرانية.

ومع اتساع مشاريع الترميم في المدينة المنورة يطفو سؤال لا يقل أهمية عن الترميم نفسه: كيف يمكن تطوير هذه المواقع دون أن تفقد روحها؟ فالمعادلة هنا ليست سهلة إذ يقف التراث بين خيارين إما الحفاظ الصارم على ملامحه كما كانت، أو إدخال لمسات حديثة تمنحه حياة جديدة.

فهذا الجدل لا يزال حاضرًا بين المختصين فهناك من يرى أن أي تغيير وإن كان بسيطا قد يهدد هوية المكان بينما يعتقد آخرون أن الجمود قد يحول هذه المواقع إلى مجرد أطلال لا تجذب الزائر ولا تمنحه تجربة حقيقية.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
تم عمل هذا الموقع بواسطة