يشهد العالم في السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في استخدام الأجهزة الإلكترونية بمختلف أشكالها خاصة بين الأطفال والمراهقين، في ظل تسارع التحول الرقمي وانتشار الهواتف الذكية والتطبيقات الترفيهية. ولم يعد حضور التقنية مقتصرًا على الترفيه، بل أصبح جزءًا من نمط الحياة اليومية، ما أثار تساؤلات حول تأثيره على السلوك، والتحصيل الدراسي، والصحة النفسية.
وتشير نتائج دراسات حديثة إلى أن 77% من الأطفال يستخدمون الأجهزة الإلكترونية يوميًا، فيما يقضي نحو 36.7% منهم من 3 إلى 4 ساعات يوميًا أمام الشاشات، وترتفع النسبة إلى أكثر من 5 ساعات لدى 38% منهم خلال عطلات نهاية الأسبوع، وهي معدلات تتجاوز الحدود الصحية الموصى بها.
بين الفائدة والإفراط
تتباين تجارب الأسر في التعامل مع استخدام الأجهزة الإلكترونية، بين الإتاحة الكاملة ومحاولات التنظيم والضبط.
يروي أحد أولياء الأمور عبد العزيز الجهني تجربته قائلاً:“كنت أسمح لأبنائي باستخدام الأجهزة بحرية مطلقة، لكن مع الوقت لاحظت تغيراً سلبياً في سلوكهم، فأصبحت أحدد أوقاتاً للاستخدام، ومع الوقت لاحظت تحسناً واضحاً”.
فيما تقول أم لثلاثة أطفال:“التحدي الحقيقي ليس في معرفة الحل، بل في تطبيقه، خصوصاً مع إلحاح الأطفال المستمر”.

وفي السياق ذاته، يوضح استشاري الطب النفسي طارق الحبيب أن:“التقنية بحد ذاتها ليست المشكلة، لكن الإفراط في استخدامها يؤثر على التركيز ويزيد من التشتت والانفعال لدى الأطفال”.
ويشير إلى أن الألعاب والتطبيقات تُصمم بأساليب تحفّز الدماغ عبر المكافآت السريعة، ما يجعل الابتعاد عنها أمرًا صعبًا، خاصة في المراحل العمرية المبكرة.
كما تدعم هذه الرؤية بيانات أخرى، إذ تشير أبحاث إلى أن 64% من المراهقين يقضون أكثر من 3 ساعات يوميًا أمام الشاشات، فيما تظهر لدى 62.1% منهم مؤشرات إدمان على الألعاب الإلكترونية، مع تسجيل حالات إدمان فعلي لدى نحو 5%.
انعكاسات اجتماعية مقلقة
في المقابل، يحذر مختصون من تأثير الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية على العلاقات الاجتماعية لدى الأطفال.
وتوضح أستاذة علم الاجتماع في جامعة الملك سعود هدى الجهني أن:“الاعتماد الزائد على الأجهزة الإلكترونية قد يقلل من فرص التفاعل الاجتماعي الحقيقي ويؤثر على مهارات التواصل عند الأطفال”.
كما يشير مختصون إلى أن نمط الحياة الحالي أسهم في زيادة الاعتماد على الأجهزة، حيث تلجأ بعض الأسر إلى استخدامها كوسيلة سهلة لشغل الأبناء، مما قد يؤدي إلى تراجع مشاركتهم في الأنشطة الاجتماعية. وتظهر بيانات أن 81% من الأطفال يلعبون ألعابًا لا تتناسب مع أعمارهم، ما يزيد من احتمالية تعرضهم لمحتوى أو سلوكيات غير مناسبة.
تراجع دراسي ملحوظ

على الصعيد التعليمي، تشير معلومات من وزارة التعليم السعودية إلى وجود علاقة بين ارتفاع استخدام الأجهزة الإلكترونية وانخفاض مستوى التحصيل الدراسي لدى بعض الطلاب، نتيجة تأثيرها على التركيز وضعف الانتباه.
وتذكر إحدى المعلمات:“نرى أن بعض الطلاب لديهم مشكلة في التركيز داخل الفصل، وغالباً ما يكون السبب مرتبطاً بالسهر على الأجهزة الإلكترونية لفترة طويلة”.
كما تؤكد دراسات تربوية أن الأطفال الذين يستخدمون الشاشات بشكل أكبر يكونون أكثر عرضة لانخفاض مستويات التحصيل الدراسي مقارنة بغيرهم.
الصحة النفسية تحت الضغط

تمتد التأثيرات لتشمل الجانب النفسي، حيث يوضح استشاري الطب النفسي عبد الله السبيعي أن:“الاستخدام الزائد للأجهزة خاصة قبل النوم قد يؤدي إلى مشاكل في النوم وزيادة القلق والتوتر لدى الأطفال”.
كما تشير الأبحاث إلى أن الأطفال الذين يمضون أكثر من 4 ساعات يوميًا أمام الشاشات يكونون أكثر عرضة لمشكلات سلوكية، مثل التوتر وضعف التفاعل الاجتماعي.
اقتصاد رقمي متسارع
في جانب آخر، يشهد قطاع الألعاب والتطبيقات الإلكترونية نموًا متسارعًا على مستوى العالم، مدفوعًا بالتطور التقني وزيادة الاستثمارات.
ويرى خبراء أن هذا النمو يفتح فرصًا واسعة أمام الشباب في مجالات مثل البرمجة والتصميم، مع التأكيد على أهمية توجيه الاستخدام نحو التوازن.
حلول واقعية.. تبدأ من المنزل
في إطار المواجهة، توصي هيئة الصحة العامة (وقاية) بضرورة تنظيم وقت استخدام الأجهزة الإلكترونية بحيث لا يتجاوز ساعتين يوميًا للأطفال، مع توفير بدائل مثل الأنشطة الرياضية والهوايات.
كما تشدد على أهمية الحوار مع الأبناء ومتابعة المحتوى الذي يتعرضون له، خاصة في ظل انتشار محتوى غير ملائم لبعض الفئات العمرية.
بين المنع والتوجيه
يرى مختصون أن التعامل مع الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية لا يعتمد على المنع الكامل، بل على تحقيق التوازن بين الاستفادة من التقنية والحد من آثارها السلبية.
وتبقى الأسرة هي المحور الأساسي في هذا الجانب، من خلال التوعية والتنظيم، وبناء علاقة قائمة على الحوار والثقة.
لم يعد الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية ظاهرة عابرة، بل قضية متشابكة تتداخل فيها الجوانب التربوية والنفسية والاجتماعية، ومع تزايد حضور التقنية في الحياة اليومية تبرز الحاجة إلى أساليب تربية حديثة تواكب هذا التحول وتحافظ على توازن الأطفال.